سميح عاطف الزين

153

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

والرشيد - مسجدا يصلي فيه الناس ) ولد الهدى على النور والضياء ، فاكتحلت به عيون أمه وجدّه . لقد حمله جدّه عبد المطلب إلى الكعبة ، يطوف به سبعة أشواط ثم يدخل به الكعبة يعوّذه ، ويحمد اللّه تعالى على ما أعطاه ، وهو يقول : الحمد للّه الذي أعطاني * هذا الغلام الطيب الأردان قد ساد في المهد على الغلمان * أعيذه بالبيت ذي الأركان « 1 » واجتمع الناس على عبد المطلب في الكعبة يهنئونه ، ويلتفون حوله ، وهو في أعلى درجات حبوره وسروره وكأنما فرحه هو فرحهم جميعا ، لأنه يعبّر عن انفعالات الإنسان في أصدق مشاعره . . فالحقيقة أن مكة كانت تعرف حرقة عبد المطلب على ولده عبد اللّه ، وها هي الحياة بانتصارها على الموت ، تحيي في هذا الشيخ الوقور - وفي كل إنسان عاش ظروفه - جذوة الأبوة ، فيجد في حفيده استمرار حياة أبيه الراحل . . ولا ضير أن يكون هذا الجدّ هو سيد القوم ، وذا الوقار والمهابة ، فمثل هذه الجذوة في النفس الإنسانية لا تفرق بين سيّد أو وضيع ، وبين كهل أو شاب ، لأنها تنبع من أعماق الإنسان ، وتسري مع نبضات قلبه ، لتؤكد أن نظام الحياة الذي أوجده الخالق العظيم إنما يقوم على الاستمرار والانتقال الذي لا يكون إلّا بالخلف والأبناء ، فإذا طرأ ما يخلّ بانتظامه وثباته ، ثم حصل ما يقوّم الخلل ، فإنّ ردّة الفعل في المشاعر الإنسانية تكون قوية ، ولا بدّ أن يعبّر عنها الإنسان بمظاهر الانفعال الذي يغلب عليه . . ولذلك كان عبد المطلب في تلك الساعة

--> ( 1 ) السيرة النبوية لابن هشام ، المصدر السابق ، هامش ص 169 .